ابن عجيبة

399

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : تعظيم الرسول عليه السّلام ومدحه وذكر محاسنه ، من أجل القربات وأعظم الطاعات ؛ لأن تعظيمه ناشىء عن محبته ، ومحبته عقد من عقود الإيمان ، لا يتم الإيمان إلا بها ، والإخلال بهذا الجانب من أعظم المعاصي عند اللّه ، ولذلك قبح كفر المنافقين واليهود ، الذين كانوا يؤذون جانب النبوة ، وما عابه به المنافقون في هذه الآية هو عين الكمال عند أهل الكمال . قال القشيري : عابوه بما هو أمارة كرمه ، ودلالة فضله ، فقالوا : إنه ؛ لحسن خلقه ، يسمع ما يقال له ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن غرّ كريم ، والمنافق خبّ لئيم » « 1 » . قالوا : من الفاضل ؟ قالوا : الفطن المتغافل ، وأنشدوا : وإذا الكريم أتيته بخديعة * فرأيته فيما تروم يسارع فاعلم بأنّك لم تخادع جاهلا * إنّ الكريم - بفضله - يتخادع « 2 » . ه . وكل ولى يتخلق بهذا الخلق السني ؛ الذي هو التغافل والانخداع في اللّه ، وكان عبد اللّه بن عمر يقول : ( من خدعنا في اللّه انخدعنا له ) . ورأى سيدنا عيسى عليه السّلام رجلا يسرق ، فقال له : سرقت يا فلان ؟ فقال : واللّه ما سرقت ، فقال عليه السّلام : ( آمنت بالله وكذبت عيني ) . فمن أخلاق الصوفي أن يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ، كيفا كانوا ، ورحمة للذين آمنوا ، فمن آذى من هذا وصفه فله عذاب أليم . وبالله التوفيق . ومن مساوئ المنافقين أيضا : أنهم يرضون الناس بسخط اللّه ، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 62 إلى 63 ] يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ( 62 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ( 63 ) قلت : إنما وحدّ الضمير في ( يرضوه ) إما لأن رضى أحدهما رضى الآخر ، فكأنهما شئ واحد ، أو لأن الكلام إنما هو في إيذاء الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإرضائه ، فذكر اللّه تعظيما لجانب الرسول ، أو لأن التقدير : واللّه أحق أن يرضوه ، ورسوله كذلك ؛ فهما جملتان . والضمير في ( أنه من يحادد ) : ضمير الشأن ، و ( فأن ) : إما تأكيد

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في ( الأدب ، باب في حسن العشرة ) والترمذي في ( البر والصلة ، باب ما جاء في البخيل ) عن أبي هريرة ، بلفظ : « الفاجر » بدل المنافق . ( 2 ) البيتان منسوبان إلى عبد المجيد بن إسماعيل الرومي ، راجع النجوم الزاهرة 5 / 272 .